ابن كثير
209
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يذكر تبارك وتعالى بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر وأخذه ميثاقهم على ذلك وأنهم تولوا عن ذلك كله ، وأعرضوا قصدا وعمدا وهم يعرفونه ، ويذكرونه ، فأمرهم تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وبهذا أمر جميع خلقه ، ولذلك خلقهم كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء : 25 ] وقال تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النحل : 36 ] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها ، وهو حق اللّه تبارك وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له ، ثم بعده حق المخلوقين وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين ، ولهذا يقرن تبارك وتعالى بين حقه وحق الوالدين كما قال تعالى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [ لقمان : 14 ] وقال تبارك وتعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ الإسراء : 23 ] إلى أن قال وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [ الإسراء : 26 ] وفي الصحيحين عن ابن مسعود ، قلت : يا رسول اللّه أيّ العمل أفضل ؟ قال « الصلاة على وقتها » قلت : ثم أي ؟ قال « بر الوالدين » قلت : ثم أي ؟ قال « الجهاد في سبيل اللّه » ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رجلا قال : يا رسول اللّه من أبر ؟ قال « أمك » قال : ثم من ؟ قال « أمك » قال : ثم من ؟ قال : « أباك » ؟ ثم أدناك ثم أدناك » . وقوله تعالى : لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ قال الزمخشري خبر بمعنى الطلب وهو آكد ، وقيل كان أصله « أن لا تعبدوا إلا اللّه » ونقل من قرأها من السلف ، فحذفت أن فارتفع ، وحكي عن أبيّ وابن مسعود أنهما قرءاها « لا تعبدوا إلا اللّه » ونقل هذا التوجيه القرطبي « 1 » في تفسيره عن سيبويه . قال : واختاره الكسائي والفراء ، قال وَالْيَتامى وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء ، والمساكين الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم . وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء التي أمرنا اللّه تعالى بها صريحا في قوله وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ النساء : 36 ] ، وقوله تعالى وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [ البقرة : 83 ] أي كلموهم طيبا ، ولينوا لهم جانبا ، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف كما قال الحسن البصري في قوله تعالى وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً فالحسن من القول يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحلم ويعفو ويصفح ، ويقول للناس : حسنا كما قال اللّه ، وهو كل خلق حسن رضيه اللّه . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا روح ، حدثنا أبو عامر الخزاز ، عن أبي عمران الجوني ، عن عبد اللّه بن الصامت ، عن أبي ذر رضي اللّه عنه ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « لا تحقرن من المعروف شيئا ، وإن لم تجد فالق أخاك بوجه منطلق » « 3 » وأخرجه مسلم في صحيحه ، والترمذي ،
--> ( 1 ) تفسير القرطبي 2 / 13 . ( 2 ) مسند الإمام أحمد ( ج 5 ص 173 ) ( 3 ) في المسند : « طلق » .